لم يكن الربيع العربي مبشرا على الإطلاق في الدول التي عاشته وربما كثير من إبناء تلك الدول يتمنون وإن لم يحل الربيع العربي وكأن المواطن العربي كُتب عليه أما ان يعيش مقيدا خاضعاً أو تتقاذفه أمواج الاضطراب والغلاء والإرهاب وهذا بالضبط ما تمثله الحالة المصرية. لم يكن الأمر مفاجئ لما آل إليه الوع الراهن في مصر.

يحاول النظام السياسي في مصر الان إثبات ذاته واكتساب شعبية محلية ودولية تمده بمزيد من الشرعية والاستقرار في بلده، ولعل ذلك يفسر لنا تصويت مصر في الأمم المتحدة لصالح القرار الروسي والذي لم تتوقعه المملكة العربية السعودية أقرب الدول العربية إلى مصر والتي أمدتها بما يقارب من 15 مليون دولار دعم ولذلك جاء الرد سريعا من قبل المملكة بوقف إمداد مصر بمساعدات الوقود.

التقارب المصري-السوري-إيراني لم يعد خفيا على الجميع خصوصا بعد قدوم مدير الأمن العام السوري إلى القاهرة منذ فترة قصيرة وتحاوره مع قادة الأمن في مصر، وفيما يخص الطرف الإيراني فلقد أبدت إيران دعمها كبديل يمد مصر بما تحتاجه من الوقود الذي أوقفته المملكة العربية السعودية.

برغم توحد موقف معظم الدول العربية مع مصر ودعمها إبان عزل الرئيس المحمد مرسي المنتمي لجماعة الخوان المسلمين بمساعدات اقتصادية بلغت 12 مليار دولار، إلا أن قطر وتركيا اتخذتا موقفا مغايرا وصاحب ذلك عدد من التسريبات الصوتية خصوصا فيما يتعلق بالجانب القطري ولذلك أصبحتا الدولتين ملاذا أمنا للفارين من قيادة وأعضاء جماعة الأخوان المسلمين.

يتفاقم الوضع الاقتصادي السيء في مصر يوما عن يوم حيث زاد معدل التضخم إلى 17 % وفي الوقت الذي يستقر سعر الدولار مقابل العملة المصرية بـ 8.85 جم إلا أن القيمة الحقيقية له يتخطى الـ 20 جنيها مصريا وأنعكس ذلك منذ 20 أكتوبر هذا العام على سعر السلع الأساسية في مصر وخاصة السلع المستوردة، كما أعلنت بعض الشركات العالمية إيقاف أعمالها في مصر من بينها بنك HSBC وشركة تويوتا. كل هذه الأحداث تأتي مواتية مع التفاوض على قرض البنك الدولي الذي تبلغ دفعته الأولى 12 مليار دولار الذي يملي مجموعة من الاصطلاحات الاقتصادية من أهمها رفع الدعم وخفض سعر صرف العملة المصرية رسميا وكذلك تقليص المرتبات.

من الملاحظ أن مصر لم تصل إلى ما آلت إليه الأوضاع في سوريا أو العراق أو ليبيا غير أنها في مأزق اقتصادي لا تُحسد عليه خاصة بعد ارتفاع أسعار السلع الأساسية مما زاد الضغط على فئات الشعب الفقيرة والمتوسطة والخوف من امتداد هذا السخط وتحولها إلى غضب شعبي بعد هدر الاحتياطي النقدي في مشروعات بلا جدوى والاضطرابات المتوالية في سيناء منذ ثلاثة أيام.

حل الأزمة الاقتصادية في مصر ليس بالأمر بالصعب إذا توفرت له الإرادة السياسية والشعبية الداعمة لذلك والإدارة الجيدة للموارد التي تملكها الدولة المصرية.